العبثية و المأساوية في تأخير اختيار رئيس الحكومة

أحد أكثر الأقدار عبثية ومأساوية هي في عدم إعلان اختيار رئيس حكومة في الأردن، في حالة شبه عجز اختيار، رغم ان رئيس الحكومة وكل أعضائها هم من غير ولاية، وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة في الوزارات السيادية هو الملك.

عبثية لأن الاختيار بدا وكأنه تسريب أسماء واشاعات لعشر شخصيات تكررت في وزارات سابقة، ثم اختزلت في اثنين علي درجة عالية من الكفاءة و العلم و الخبرات السياسية و القرب من الملك ، وهما د. عبد الله طوقان و د. بشر الخصاونة.

ثم ، بدون مقدمات، اختفت الأسماء في ضبابية، لإلهاء الشارع انتهت الي تكليف حكومة أصلا ضعيفة- دستورا لا يحق لها إدارة شؤون البلاد – ان تكلف بتسيير  الأمور، وهي مخالفة دستورية .

و لا احد يعلم لماذا او من اقترح ذلك على الملك في مخالفة  للدستور ؟

علما ان كان هناك وقت كاف منذ ان اعلن الملك عن اجراء الانتخابات من شهرين و هي مدة اكثر من كافية لاختيار رئيس حكومة و اقالته و اجراء تعديل مثلما حدث في وزارات عده عبر التاريخ ، فاين كان التقاعس ومن المسؤول؟.

 

د.عبد الله طوقان / د.بشر الخصاونة بالتتابع ـ صورة ارشيفية

أنشودة تكليف رئيس وزراء تتردد أنغامها كوحي منزل يختلف عن محاكاتنا للسياسة الأردنية عبر تاريخها.

أولا لأن الأردن ليس دولة عقيمة بل دولة مليئة بالكفاءات المحلية و المهجرة قسرا القادرة على تشكيل “حكومات وليس حكومة واحدة ” بأماكنهم “إيجاد حلول للأزمات وليس ازمة واحده “، لكن الكفاءات والعشائر الأردنية وأبناء الأردن المهجرين قسرا مستبعدين ومحاربين.

وثانيا لأن في عهد الملك الحسين كان دوما هناك “جاهزية ” غير متوفرة حاليا، بتواجد رئيس مكلف وحكومة مشكله قبل اعلان اقالة او استقالة الحكومة. ولم يكن هناك تردد او خوف او تعطيل، كان دوما رحيل وتعيين واقالة وكتاب تكليف في ” فيمتو ثانية” وليس أسبوعين ولا يوجد قرار.

ومأساوية لأنها تدفن التاريخ وتصوّره كمصدر للرعب السياسي الذي يعدم احقية قرار الملك المنفصل دون تأثير ويصادر كل قابلية للتحديث والإصلاح، فإذا بالهوية الملكية للقرار السياسي تغدو رمزا للسيطرة المفقودة عند كثير من العقول السياسية والمفكرين.

والغريب أن لا أحد من مستشاري الملك أخبره بذلك او فكر في تلك الحالة الغريبة والتي هي ذاتها تنبني على ملحمية تقليص صلاحيات الملك الدستورية.

مصدر الرعب السياسي لعدم اختيار رئيس حكومة

أحد مصادر الرعب السياسي لعدم اختيار رئيس وزراء يبدأ من داخل انقسام الدولة مع تداخل المال والفساد وخلطه وتلقيحه بكبار موظفي الدولة وجهازها وهم على راس عملهم والذي أنتج مجموعات ديناصوريه تعتقد ان لها “حصة و قرار”، و تتحكم في القرار وتؤثر علي المساحة التي يتمتع بها الملك في قرار مستقل.

ومصدر آخر في سبب تأخير اختيار وتكليف رئيس الحكومة الأردنية الجديدة، بعد استقالة حكومة د. الرزاز حسب ما يمليه الدستور الأردني عند حل مجلس النواب، .

هو أيضا خلاف بين بعض من رجالات الدولة العميقة وبعض من مؤسسة القصر والديوان وبعض من رؤساء حكومات سابقة حيث رغبة بعض الفرقاء فرض أسم رئيس الوزراء على الآخرين و معارضة تعيين اخر.

اصعب مراحل المملكة تاريخيا

يأتي ذلك في مرحلة من أصعب مراحل المملكة تاريخيا حيث تواجه مديونية فاقت ٤١ مليون دينار، و تجاوزت ١٠٢٪ من حجم الناتج القومي، بطالة مزمنة كانت في ٢٠١٩ حسب دائرة الاحصائيات ٢٣٪ وتعدتها لتصبح ٣٠٪ في ٢٠٢٠، ارتفاع حجم قوة الباحثين عن عمل الي ٣٤،٧٪.

 يضاف لذلك سحب واستخدام  واستنزاف ٦٣٪ من أموال مؤسسة الضمان دون أي ضمانات بالسداد.

ثم آتى”اتفاق ابراهم” وعجلة التطبيع المتسارعة بين دول عربية و إسرائيل ،و محاولات سحب الوصاية الهاشمية عن القدس.

وتبعها اغلاق وافلاس بعض الشركات ناتجة عن فيروس كوفيد ١٩، هروب اكثر من رجل اعمال بملايين الدنانير المستدانة من البنوك المحلية ، انتشار حالات غير مسبوقة من سرقات و دعارة ، ارتفاع القيمة المطلقة للشيكات المرتجعة في أول ثمانية أشهر من عام ٢٠٢٠ بنحو ٢٠٢ مليون دينار أو ما نسبته ١٩،١ % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بحسب بيانات البنك المركزي.

حيث ارتفعت بعدها لتصل الي  ١،٤ مليار دينار لعدد ٤٠٠ ألف مواطن، كل منهم معرض للحبس و السجون لا تكفي.

و ساد التعنت الإسرائيلي في عدم قبول حل الدولتين والإمعان في ضرورة إلغاء الملكية ، و التهديد و استخدام الاعلام في تشويه صورة الملك ، والدفع بإيجاد حل للقضية الفلسطينية علي التراب الأردني.

وتوالت الدعوات الحزبية والشعبية إلى مقاطعة الانتخابات النيابية ، ليس ذلك فقط بل هناك عديد من الازمات التي يطول الحديث عنها، كل منها قادم على طاولة الرئيس و الحكومة المرتقبة.

الملك عبد الله الثاني  ـ صورة ارشيفية

دعوة الملك تكليف رئيس حكومة جديد 

الأسماء المطروحة – تحت بند الاشاعة المسربة من الدولة العميقة ومن بعض من أصحاب مراكز قوى وعلاقات موزعة بين صحفيين ووزراء هي التي سمت المرشحين

وما يتم الحديث به من أسماء لا يقبل به عديدون وغير مقنع للملك عبد الله الثاني، ورغم كل ذلك مطلوب من ملك الأردن ، ملك المملكة التي شكلت ١٠٠ حكومة في تاريخها أن يتحرك ولا يسكن إلى آراء مستشارين ليست في صالحه و تضعف موقفه وهو صاجب الكلمة العليا و المرجعية المصدقة في اختيار وتكليف و اقالة و حل،لأي وكل مؤسسات الدولة ، لذا متوقع أن يتراجع عن “الرزاز ” ويعلن اسم مرشح مع نهاية الأسبوع القادم تمكن الدستورية في الدولة التي يرعاها

وبالتأكيد فإن الطعن القانوني و الدستوري – ان تم في حكومة د.الرزاز ان اشرفت على الانتخابات واستمرت  – نتيجته معروفة سلفا و سيشكل ازعاج قانوني لا يستهان به و يدفع للتشكيك في قانونية  الانتخابات النيابية نفسها في ظل حكومة غير دستورية ، حتى وإن كلفها الملك بتسيير الأعمال . .

في حال استمرار تأخر اختيار رئيس جديد وتشكيل الحكومة فإن التداعيات ستكون كارثية علي الصورة الجماهيرية لمؤسسة الحكم ، في وطن نعشق و نفتدي  هو بأمس الحاجة لقرارات مصيرية من حكومة وطنية تضم اختصاصيين وقوية قادرة على مواجهة التحديات ، كما و أن أي تأخير سيؤدي إلى ما لا يحمد عقباه  قانونيا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.

See the source image

د. عمر الرزاز رئيس حكومة تصريف الاعمال ـ صورة ارشيفية

كان الاجدر بحكومة د. الرزاز ان تعتذر عن التكليف بتسيير الأعمال وأن توضح للملك عبد الله الثاني حامي الدستور  تلك المخالفة الدستورية عوضا عن التمسك بالكراسي على حساب الوطن.

aftoukan@hotmail.com

By عبد الفتاح طوقان

مفكر وكاتب حاصل علي بكالوريوس هندسة ، ماجستير قانون دولي ، دكتوراه في الاعلام. تخرج من كلية فيكتوريا بالاسكندرية ، زار ١٧٠ مدينة عالمية،اعد و قدم العديد من البرامج المتلفزة في بث مباشر لكل من فضائية الاْردن ، دبي ، العربية، الام بي سي ، الشروق، العقارية ، الفلسيطينية و الل ايه آر تي ونشر مئات من المقالات في الصحف العربية وله مؤلفان يعتبران مرجعا في صيانة الطرق و الاخر مقارنة قانونية بين الكفالات المشروطة و غير المشروطة . قدم ١٠٠ محاضرة حول العالم في مجالات مختلفة عضو الاتحاد الدولي للكتاب و نقابة الصحفيين في أونتاريو كندا بالاضافة الي نقابة المهندسيين الكندية وجمعية المحامين في أونتاريو . و يكتب " مهندس الدقيقة الواحدة " التي يتابعها ثمان آلاف مهندس و مستشار حول العالم في موقع لينكدان حيث صنف ضمن قائمة اهم ٥٠ مهندس في امريكا و كندا

علق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.