كيف انقذنا الملك الحسين مرتين من الاغتيال

بقلم :عبد الفتاح طوقان

لا يستغرب أحد من تعرض الملك الحسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية لعديد من محاولات الاغتيال داخل وخارج الأردن في فترات حكمه التي امتدت ٤٧ عاما من ١١ أغسطس (آب) ١٩٥٢ الي ٧ فبراير (شباط) عام ١٩٩٩، وأنقذ في اللحظات الاخيرة وبجهد مسبق أحيانا من المخابرات الأردنية اوعن طريق اخباريات من السفارات الامريكية والبريطانية بالمملكة او بالحظ وجرأة الملك الراحل وثباته وحنكته في المواجهة.

King Hussein of Jordan at London Airport,

أكثر من ١٣ محاولة معروفه غير تلك التي تم التكتم عليها، منها أن ألقيت علي الملك الراحل قنبلة في المغرب لم تنفجر، وأطلق عليه النار من أحد مرافقيه في أحد الجزر الاسبانية وهو يمضي اجازته، ورفع أحد المواطنين مسدسه في وجهه اثناء زيارة تفقدية في أحد المحافظات الاردنية وحينها قال الملك الحسين لمن حمل المسدس:” اليك مسدسي الخاص أطلق على النار منه ” فخر المواطن امامه و قبل يديه وغيرها الكثير.

 

شاء القدر، وهو خريج كلية فيكتويا بالإسكندرية والتي لديه حب وشغف بها وصداقات وعلاقات قوية متشعبة مع من درس وتخرج منها، ان تلعب دورا في انقاذ حياته من اغتيال و تبقيه حيا للأجيال.

المحاولة الأولى كانت في لندن ، وكنا قد حضرنا اجتماعا مصغرا دعانا اليه الملك الحسين مع افطار في الصباح الباكر في فندق “جروفنر” القريب من قصر باكينجهام ، و بالقرب من محطة فيكتوريا اوالذي تم بناؤّه في ١٨٦٢ وهو من اعرق فنادق بريطانيا حينها ،  لبعض من مجلس إدارة جمعية الخريجين المتواجدين في لندن و كان الترتيب ان يكون هناك حفل عشاء رسمي في نفس فندق “الجروفنر” الساعة الثامنة مساء نفس اليوم بحضور اكثر من ٥٠ خريج من الشخصيات العالمية و زوجاتهم اللذين أتوا من شتى بقاع العالم في حفل سنوي.

 

و بصفتي احد مؤسسي جمعية خريجي كلية فيكتوريا بالإسكندرية وصلة الوصل بين الملك الحسين و الخريجين ،ومن منظمي الاحتفال السنوي للخريجين ، تفقدت قاعة الاحتفال و بتواجد مدير الفندق الساعة ١٢ ظهراو بعدها وفي تمام الساعة ٧ مساءا قبل الاحتفال جائني اتصال و ذهبت انا و منير شلبي  احد الخريجين و كان يعمل مع المرحوم الملياردير و رجل الاعمال السعودي عدنان خاشقجي في شركة “ترايد” و يدير جمعية الخريجين في بريطانيا لمقابلة مدير شرطة لندن في قاعة الاحتفال ضمن تواجد مكثف لضباط من سكوتلاند يارد و معهم كلاب مدربة وأجهزة خاصة للكشف عن القنابل و المتفجرات .

وقال لي مدير الشرطة وصلتنا معلومات عن محاولة لتفجير واغتيال الملك الحسين اثناء حضور هو ان هناك قنابل بالموقع.

 

تم تفتيش القاعة بالكامل ولم يعثر على شيء و تم ابلاغ الأمير زيد بن شاكر والذي نقل الرسالة للملك وأقيم الحفل دون حضور الملك الحسين و لكن بتواجد الأمير زيد بن شاكر نفسه الذي القى كلمة اعتذار نيابة عن الملك الحسين ، رحمهما الله ، و اجرى الاحتفال تحت حراسة امنية مشددة.

 

المحاولة الثانية ، كان هناك حفل اخر بعدها بسنوات في عاصمة الضباب لم يحضره الملك الحسين ،و في اثناء الغذاء بنفس فندق الجروفنر ، الذي هو فندق محبب لدي الخريجيين،  وعلى طاولة ضمت عدنان خاشقجي رجل الاعمال السعودي، احمس خليفه المليونير المصري الذي قتل في قصره في لندن و كان صديقا للملك الحسين و يعمل مع خاشقجي، و عمر الشالحي الذي قاد عملية انقلاب شهيرة ضد القذافي لاعادة  السنوسي ملك ليبيا اطلق عليها “عملية الهيلتون” و كمال ادهم مدير المخابرات السعودية و غازي شاكر رئيس هيئة اركان الجيش السعودي وصلت رسالة نقلها احمس خليفة للجالسين مفاداها ان هناك محاولة اغتيال سوف تتم للملك الحسين في مطار ماركا العسكري سيتم استخدام صاروخ لقصف طائرته وهناك احتمالية خيانة من احد الضباط ( لم يحدد الاسم ولا الفرقة التابع لها ) ، وقد حدد الموعد والتاريخ بعدها بأيام .

 

لم يكن هناك انترنت، لم يكن هناك ايميلات وأجهزة الكترونبة و بسبب التخوف من مشاركة احد العسكر كان لابد من الوصول الي الملك شخصيا بأسرع وقت حسبما قال كمال ادهم مدير المخبرات السعودية و احد زملاء الملك الحسين في كلية فيكتوريا و شقيق الملكة عفت زوجة الملك السعودي ، واكد  ليس عن طريق السفارة الأردنية في لندن او الهاتف فقد يتم التسريب وتغير خطة الاغتيال و بالتالي نفقد فرصة انقاذ الملك ، لا بد من شخص موثوق ينقلها الي الملك مباشرة دون المرور باي شخص، ووقع الاختيار علي وكنت حينها ضابطا في سلاح الجو الملكي .

 

اخبرتهم بأماكاني اعلام قائد سلاح الطيران مباشرة وهو الفريق احسان شردم وأيضا بإمكاني نقلها الي الصديق اللواء ضيف الله الزبن مدير الاستخبارات العسكرية وعدنان أبو عوده ضابط المخابرات السابق ورئيس الديوان الملكي الذي اعرفه شخصيا وتربطني به علاقات قوية.

 

اكد كمال ادهم ان الوضع غير مريح و الرسالة يجب ان تذهب الى الملك مباشرة وفورا حيث لا نعلم من هو الضابط الذي يتم الحديث عنه او الجهاز التابع له ولذلك لا بد من التحرك فورآ، استعد للسفر علي متن اول طائرة متجهه الي عمان.

 

كنت اتيت في إجازة الي لندن مدتها أسبوعا لم يمض عليها الا يوما واحدا فقطعتها، لكن الامر كان شديد الخطورة ويعرض حياة الملك الحسين للخطر، وانقاذ حياته اولوية.

وصلت عمان الساعة الثانية عشر ليلا بعد خمس ساعات وربع من الطيران واتجهت من المطار الي منزل الأمير زيد بن شاكر في دابوق، ودلفت الي المنزل من المطبخ كالمعتاد، كان بمكتبه في ساعة متآخرة يقرأ ويتابع شؤون الوطن حسب عادته وابلغته التفاصيل، وبقيت بمنزله حتى الرابعة صباحا وبتواجد الفريق سعد خير نائب مدير المخابرات حينها الذي تم استدعاؤه للحضور وسماع ما تم، وكللت الجهود الأمنية بألقاء القبض على من حاول الاغتيال وفشلت المحاولة التي كانت ممولة من الاستخبارات الليبية.

 

والتقي الملك الحسين بعدها بأصدقائه من الخريجين في اجتماعات مختلفة ودعاهم الي الأردن حيث امضوا أسبوعا كاملا، وشارك العديد منهم في احتفالات عيد ميلاده بقصره بالعقبة، وحرص الملك الحسين علي حضور حفل عزاء وتكريم لأحمس خليفه في كلية فيكتوريا الذي وصلته إشارة محاولة اغتيال الملك و إزاح الستار عن تمثالا نصفيا له، و تشرفت بتواجدي مع الملك حينها في الإسكندرية، وهو ما تكرر لاحقا من زيارات خاصة لكلية فيكتوريا تمت و بتواجد الملكة نور الحسين.

 

ولكن أكثر الزيارات الي كلية فيكتوريا ايلاما كانت تلك المرة عندما أقمنا حفل تآبين للملك الحسين في الكلية التي عشقها وأحبها وكان من بين الحضور دولة زيد الرفاعي والأمير زيد بن شاكر وعدنان خاشقجي والصادق المهدي ومنصور حسن والفنان سمير صبري.

 

رحم الله الملك الحسين الانسان قبل ان يكون ملكا و مالكا للقلوب.

aftoukan@hotmail.com