دستورية اعتلاء العرش وعدم دستورية عزل الملك طلال

تشير وثيقة صادرة بتاريخ ٥ سبتمبر ١٩٥١ في عهد حكومة دولة توفيق أبو الهدى رئيس وزراء الأردن الذي وجد مشنوقا في حمام منزله عام ١٩٥٦ عن عمر يناهز ٦١ عاما، و تحديدا في حكومته الثالثة التي امتدت من ٢٥ يوليو ١٩٥١ الي ٥ مايو ١٩٥٣  ، تلك الوثيقة تحمل موافقة مجلس الامة بالاجماع المناداة على الأمير طلال ملكا على البلاد ، بناءآ علي قرار مجلس الوزراء الأردني بتاريخ ٤ سبتمبر ١٩٥١ و المتضمن ” بأن لا مانع صحي يحول دون ارتقاء صاحب السمو الملكي الأمير طلال المعظم العرش”. انظر الوثيقة المرفقة رقم ١” و التي تحمل تواقيع أعضاء المجلس دون اعتراض أي من الأعضاء و عددهم ٤٠ عضوا لم يغب أي منهم عن الجلسة.

و اقصد ان مجلس الوزراء و النواب معا لم يجدوا في الأمير طلال أي مانع صحي او ذهني او نفسي يحول من اعتلائه العرش ، و أتت الموافقة دستورية و قانونية لا يشوبها شيئا ولا يشوب الأمير أي تشكيك في صحه قواه العقلية او اصابته بالانفصام او التوحد او الجنون .وهنا انقل ما نشر عن المجلس في الجرائد الاردنية و محاضر مجلس الامة : «بعد أن اطلع مجلس الوزراء على المذكرة التفصيلية المعطاة من فخامة رئيس الوزراء بتاريخ ٣٠ اب (أغسطس ) ١٩٥١ ودرس وضع صاحب السمو الملكي الأمير طلال ولي العهد المعظم من الناحيتين الدستورية والصحية، واطلع على قرار مجلس الوزراء السابق المؤرخ في ٢٠ تموز ( يوليو ١٩٥١) رقم (٧٢٣) وعلى التقارير الطبية المعطاة في تواريخ مختلفة بشأن صحة سموّه، وبالأخص على التقرير الطبي المعطى في جنيف من قبل مدير المصح وأربعة أطباء بتاريخ ٢٢ اب ( أغسطس) ١٩٥١، والبيان الصحفي المذاع من قبل هؤلاء الأطباء في جنيف بتاريخ 24 ٢٤ اب ( أغسطس ) ١٩٥١ ، رأى بعد الدرس والتمحيص وإمعان الفكر أن صاحب الحق لارتقاء العرش هو سمو ولي العهد الأمير طلال، وأن لا مانع يحول دون قيامه بمهامه كملك، لذلك قرر بالإجماع المناداة به ملكاً دستورياً على المملكة الأردنية الهاشمية على أن يتفضل قبل مباشرته أعماله بأداء القسم أمام مجلس الأمة كما تقضي بذلك المادة الثالثة والعشرون من الدستور، وإبلاغ هذا القرار إلى المجلس المشار إليه وإذاعته على الشعب.»

وفي اليوم  التالي اجتمع مجلس الأمة مرة أخرى وأصدر القرار المتضمن بأن لا مانع صحياً يحول دون ارتقاء الأمير طلال العرش، ونظراً للتقارير الطبية المذكورة بقرار مجلس الوزراء في اجتماعه السابق، فإن مجلس الأمة يقرر بالإجماع المناداة بالملك طلال الأول بن عبد الله بن الحسين ملكاً دستورياً على المملكة الأردنية الهاشمية. ثم عاد مجلس الأمة للإجتماع للمرة الثالثة بتاريخ ٦ سبتمبر ١٩٥١ حيث كان الملك طلال حاضرًا هذه المرة في المجلس وأقسم اليمين الدستورية، وبعد ذلك بثلاثة أيام (أي في ٩ أيلول – سبتمبر – من عام ١٩٥١ أصدر الملك طلال إرادته

بتعيين الأمير الحسين بن طلال وليًا للعهد

كل ذلك يؤكد صحة عقل و جسد الأمير طلال بما لا يدع للشك ، و أن قرار المجلس و الحكومة صحيح و مكتمل و يستند الي حقائق ووقائْ و تقارير طبية معتمدة. تلك الحكومة التي كان توفيق أبو الهدى اكبر محام في الدفاع عن حق ” الأمير ” طلال في العرش الهاشمي و خاض معركة ضد الانجليز متهما إياهم بانهم يحاربون اسناد العرش للامير طلال ( من مذكرات النشاشيبي المنشورة في جريدة الشرق الأوسط ٦ سبتمبر ٢٠٠١ ).

واقصد هنا ان مجلس الامة و حكومة توفيق أبو الهدى بأكملها اعتمدت تقارير طبية تفيد ان الملك بكامل قواه العقلية و انه سليم ١٠٠ بالمئه ، فما الذي حدث خلال عام ليتخذ مجلسا جديدا قرارا بعزله في جلسة غير دستورية و تحت نفس رئاسة حكومة توفيق أبو الهدى نفسه؟ و يقوم وزير الصحة جميل التوتنجي باخفاء تقارير الأطباء السويسرين ؟

و اود هنا الإشارة الي جريدة الجزيرة بتاريخ ٢ أغسطس ١٩٥٢ و التي كان يصدرها المرحوم تيسير ظبيان ( اغلقها فيما بعد رئيس الوزراء الأردني توفيق أبو الهدي فيما اطلق عليه مذبحة الصحافة الأردنية ) و التي نشرت في صدر صفحتها الأولى الي عقد جلسة استثنائية لمجلس الامة ” كانت الدورة غير قائمة ” رتب لها الساعة العاشرة صباحا ولا يسمح بالحضور الا أعضاء المجلس و أصحاب الدولة و المعالي، علما ان الملك كان خارج البلاد و برفقته مرافقه الخاص المقدم صبحي طوقان في باريس و كان في طريقه الي سويسرا .” الوثيقة رقم ٢”.

و اشارت الصحيفة ان الملك في توافق تام مع الحكومة علما انها كانت تتآمر عليه و ترتب بناءآ علي توجيهات الشريف ناصر بن جميل و السفير البريطاني في عمان لعزل الملك طلال.

اجتمع الوزير احمد الطراونه الذي ارسله الشريف ناصر الي هزاع المجالي ( حسبما ورد في مذكرات المرحوم دولة هزاع المجالي صفحة ١١٩ ) لاقناعه بالموافقه علي عزل الملك طلال و لم تآت استجابه المجالي الذي كان معترضا علي عزل الملك و مع ذلك حضر الجلسة و كان من ضمن المعترضين بالإضافة الي النائب عبد القادر الصالح و قدري طوقان و حمد بن جازي وكليب الشريدة وأنور نسيبه و غيرهم، و كانت جلسة سرية ، و هنا أطالب بنشر محاضر الجلسة و التي من المفترض انها في أرشيف مجلس النواب ما لم يتم خرق النظام و احراق محاضرها و اخفاؤها لاحقا و هي قضية تحتاج من مجلسي النواب الحالي النظر الي ما تم بخصوصها.

الموقف هنا بين جلسة دستورية للموافقة على اعتلاء الملك طلال العرش و جلسة غير دستورية و ليست قانوينة كما تحدث رئيس الوزراء المرحوم هزاع المجالي في مذكراته و اتهامه للوزير احمد الطروانه – فيما بعد رئيسا للوزراء بمحاولة الضغط عليه .

البريطانيون كانوا يكرهون الملك طلال و سياسته في الوقت ان الشعب الأردني كان يهتف للملك طلال ” مرحبا يا حبيب الشعب ..مرحبا يا محرر الأردن “. انظر الوثيقة رقم ٣

هكذا كانت الأمور تدار حيث توفيق أبو الهدي رئيس وزراء ضعيف امام الشريف ناصر الحاكم الفعلي للاردن آنذاك و الذي لم يكن راضيا عن اقالة الملك طلال للزمرة السياسية الفاسدة من اعوان و زمرة الشريف ناصر ومعاداة الملك طلال بعلنية ووضوح للاستعمار و تحديدا السياسات البريطانية في الشرق الأوسط. .

ومع كل ما سبق يتضح حجم المؤامرة و التلفيق و اكذوبة ان الملك طلال كان مجنونا ،او لديه انفصام او توحد و إن و جلسة عزل الملك غير دستورية وتمت بضغوط من الشريف ناصر و السفير البريطاني في العاصمة الاردنية – عمان.

و للحديث بقية خصوصا و ان من صلاحيات الملك فقط دون غيره دعوة المجلس للانعقاد، فكيف تمت دعوة المجلس ذلك و الملك خارج البلاد و من الذي دعاه باوامر من الشريف ناصر ؟ ولماذا تراجع توفيق ابو الهدى ان يكون المدافع عن الملك طلال ،و من الذي هدد توفيق ابو الهدى باقالته ان لم يتخذ هذا القرار ؟

(توفيق ابو الهدى الذي شكل ١٤ حكومة )

Aftoukan@hotmail.com

By عبد الفتاح طوقان

مفكر وكاتب حاصل علي بكالوريوس هندسة ، ماجستير قانون دولي ، دكتوراه في الاعلام. تخرج من كلية فيكتوريا بالاسكندرية ، زار ١٧٠ مدينة عالمية،اعد و قدم العديد من البرامج المتلفزة في بث مباشر لكل من فضائية الاْردن ، دبي ، العربية، الام بي سي ، الشروق، العقارية ، الفلسيطينية و الل ايه آر تي ونشر مئات من المقالات في الصحف العربية وله مؤلفان يعتبران مرجعا في صيانة الطرق و الاخر مقارنة قانونية بين الكفالات المشروطة و غير المشروطة . قدم ١٠٠ محاضرة حول العالم في مجالات مختلفة عضو الاتحاد الدولي للكتاب و نقابة الصحفيين في أونتاريو كندا بالاضافة الي نقابة المهندسيين الكندية وجمعية المحامين في أونتاريو . و يكتب " مهندس الدقيقة الواحدة " التي يتابعها ثمان آلاف مهندس و مستشار حول العالم في موقع لينكدان حيث صنف ضمن قائمة اهم ٥٠ مهندس في امريكا و كندا

علق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: