سهير فهد جرادات
    صَرف تقرير نتائج التحقيق بحادثة  ” كارثة ميناء العقبة ” – الذي أفرجت عنه الحكومة الأردنية أخيراً- صكوكَ غفران ( بعدم المسؤولية ) لاعضاء مجلس مفوضي سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة ، ورئيسها الذي هو رئيس مجلس إدارة شركة العقبة لادارة وتشغيل الموانىء ، وفي الوقت ذاته جرَّم التقرير مَن يشاء ، وأعلن ( في الباطن ) قرب خصخصة ميناء العقبة، وبيعه لمجموعة شركة موانئ أبوظبي، المالك الجديد لميناء الاردن الوحيد .
إن تشكيل لجنة للتحقيق  برئاسة وزير الداخلية ( أعفى ) الحكومة ورئيسها من المسؤولية ، ووضع أحد مفوضي سلطة العقبة عضوا في اللجنة ( أخرج ) السلطة من دائرة المسؤولية ، وعدم تحويل ملف الكارثة لمكافحة الفساد هو أكبر دليل للهروب من المسؤولية، والسيطرة على الوضع وتحميل المسؤولية لغيرهم وإغلاق الملف..
هناك  مطالبات ( من أعيان البلد ) بتشكيل لجنة تحقيق ( مستقلة ومحايدة ) لتحديد المسؤولية الكاملة ، على ان لا تضم بعضويتها ممثلين عن سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة ، لضمان الحياد وحتى لا تحول من (مُحقق معه ) الى محقِق، فتصبح ( هي الخصم وهو الحكم) ، مما يشكك في أهلية لجنة التحقيق !!..
وكان أستاذ القانون التجاري والبحري الدكتور فياض القضاة أشار في مقابلة تلفزيونية الى ان هناك مسؤولية سياسية (تنصلت)  منها الحكومة ؛ عندما أعفت سلطة العقبة الخاصة من المسؤولية ، علما أن القانون لا يعفي مجالس الإدارة من مسؤوليتها في التقصير والإهمال الجسيم الذي يؤدي الى وفاة ، وبذلك تكون الحكومة الأردنية ( تهربت ) من مسؤوليتها السياسية ، حيث لم نشهد استقالة لوزير النقل !!..
ونُذكر بهذه المناسبة الموقف الاخلاقي الشجاع لوزير الصحة السابق الدكتور نذير عبيدات الذي  قدم استقالته من الحكومة  إثر مأساة مستشفى السلط ( حادثة انقطاع الاكسجين ) عن مرضى الكورونا الذي راح ضحيتة (10) اشخاص ، الا ان هذا الموقف الشجاع لم يرق للساسة وتم تحويله الى (إقالة ).. وكذلك تحميل الحكومة المسؤولية لوزيرة السياحة لينا عناب، ووزير التربية عزمي محافظة عن ( فاجعة البحر الميت ) التي ذهب ضحيتها (21 شخصا غالبيتهم طلاب مدرسة ) جرفتهم سيول الأمطار اثناء مشاركتهم في رحلة مدرسية .
وفي حادث جلل كما حصل في العقبة – وذهب ضحيته 13 شخصا منهم 8 أردنيين وإصابة أكثر من 251 شخصا – كان الأجدى بالحكومة أن تقدم استقالتها ، وهذا ما أكد مصدر قضائي ( أتحفظ على ذكر اسمه )  أن أدنى أدبيات تَحمل المسؤولية السياسية لدى الحكومات تكون ب ( استقالتها )، وهو مفهوم غير موجود في العالم الثالث ، الذي للأسف يفتخر بإساءته وسوء إدارته ، والأكثر غرابة أن تَحمل أو تحميِل المسؤولية في الأردن يكون لها جانب آخر من المكافأة ، حيث تم تعيين وزيرة السياحة / عناب سفيرة للاردن في اليابان ، فيما مُنحت رئاسة الجامعة الأردنية مكافأة لوزير الصحة / عبيدات ، وحصل وزير التربية / محافظة على عضوية لجنة الاوبيئة في انتظار ما هو قادم  الذي بالتاكيد سيكون أجمل !!..
وللإجابة عن استفسار: هل للحكومة سلطة على السلطة ؟!.التي تتمتع بشخصية اعتبارية ذات استقلال مالي واداري ، وتحكمها قوانين خاصة ! عاد المصدر القضائي ليؤكد بأن السلطة هيئة تنظيمية تدير هذا الإقليم ، لكن المسائل الجنائية تبقى تحت مظلة الدولة .. موضحا أن الأصل في التحقيق ان يكون للنيابة العامة (صاحبة الولاية العامة ) ، لكن في حالات الويلات والمصائب والجرائم يجرى ( تحقيق إداري ) للتعرف الى الفجوات وتحديد المقصر إداريا لإسناد العقوبة له ، وهما مساران منفصلان لا علاقة لهما ببعض ..
تَعمد السلطة الى إضعاف شركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ ( المهملة ) من خلال إضعاف المدير بعدم تثبيته وابقائه بالوكالة ليكون منقوص الصلاحيات ، وبالتالي إضعاف الشركة ، وتقزيم غاياتها تمهيدا لخصخصتها بحسب تحليل الدكتور خالد المعايطة المدير العام للشركة لإحدى المحطات الإذاعية ، ( لإن الاماراتيين قادمون ).. حيث كانت الحكومة الأردنية ممثلة بشركة تطوير العقبة وقعت في نهاية العام الماضي خمس اتفاقيات مع مجموعة موانئ أبوظبي ، والمتمثلة في: تطوير مرسى زايد ، وإنشاء محطة السفن السياحية، وتنفيذ نظام رقمي لمنظومة الموانئ وتشغيله لصالح مجموعة أبو ظبي ، وتطوير وتحديث ميناء متعدد الأغراض ، وتطوير مطار الملك حسين الدولي لزيادة الطاقته الاستيعابية لتسير رحلات بين محطة السفن السياحية والمطار، وعقد اتفاقية سادسة لإنشاء أول مرسى للبواخر السياحية يكون قادرا على استقبال كل أنواع البواخر ليضع  العقبة على خريطة السياحة العالمية ، وجمعيها وقعت لصالح مجموعة شركة موانئ أبو ظبي ، لتصبح بذلك  ( العقبة بنكهة إماراتية )!!..
الأجهزة الأمنية ، وعلى اثر الزوبعة التي أثيرت حول نتائج لجنة التحقيق ( قامت بتوزيع ) مستندات تثبت أن ( غاز الكلورين ) الذي تسبب بـ ( كارثة العقبة ) له استخدامات مدنية وعسكرية ، ويستعمل في تصنيع المتفجرات ،ويُصدر لدولة الاحتلال الصهيوني عبر ( العقبة – إيلات ) منذ عام 2017 ( وبموافقة أمنية ) ، مما يفسر لماذا ترأس وزير الداخلية اللجنة ؟ ولماذا رافق رئيس الوزراء الى العقبة يوم الحادثة؟
ونشر هذه الوثائق قصد منها التشكيك بأن الشحنة ليست متوجهة الى ( جيبوتي ) كما تم الإعلان عند وقوع الكارثة ، إنما الى دولة العدو المزعومة !! ويراد من ذلك (حرف أنظار الرأي العام ) عن أهمية الحادث وخطورته وأسبابه ؟! ومن هو المسؤول الأول عن الحادثة ؟!.. ومن هم المقصرون ؟!.. وتوجيه حديث المواطنين للمواضيع الجانبية ( غير المهمة ) لصالح ترك القضايا ذات الأولوية.. وكأن جهة التصدير أهم من الأسباب والمسببات ، وعلى من تقع المسؤولية !!.. وكـأن تصدير المادة الى العدو سيغير الواقع لو كان لجيبوتي !!..
إن إحالة مجلس الوزراء لملف ” كارثة ميناء العقبة ” للإدعاء العام يعطينا قليلا من الأمل بأن يقول القضاء الكلمة الفصل، ويُجرم المجرمين الحقيقيين وليبقى ( القضاء عادلا ومستقلا) ، حتى لا يصبح قضاؤنا قدرنا..
كاتبة وصحافية أردنية

Jaradat63@yahoo.com

By عبد الفتاح طوقان

مفكر وكاتب حاصل علي بكالوريوس هندسة ، ماجستير قانون دولي ، دكتوراه في الاعلام. تخرج من كلية فيكتوريا بالاسكندرية ، زار ١٧٠ مدينة عالمية،اعد و قدم العديد من البرامج المتلفزة في بث مباشر لكل من فضائية الاْردن ، دبي ، العربية، الام بي سي ، الشروق، العقارية ، الفلسيطينية و الل ايه آر تي ونشر مئات من المقالات في الصحف العربية وله مؤلفان يعتبران مرجعا في صيانة الطرق و الاخر مقارنة قانونية بين الكفالات المشروطة و غير المشروطة . قدم ١٠٠ محاضرة حول العالم في مجالات مختلفة عضو الاتحاد الدولي للكتاب و نقابة الصحفيين في أونتاريو كندا بالاضافة الي نقابة المهندسيين الكندية وجمعية المحامين في أونتاريو . و يكتب " مهندس الدقيقة الواحدة " التي يتابعها ثمان آلاف مهندس و مستشار حول العالم في موقع لينكدان حيث صنف ضمن قائمة اهم ٥٠ مهندس في امريكا و كندا

علق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: